احجز موعد استشارة مجانية
black and brown book on gray textile

التغلب على المقاومة الداخلية: علم النفس والقرآن

اكتشف كيفية تدريب القوة الداخلية باستخدام أساليب الكوتشينغ النفسي العملي المدعومة بعلم النفس الحديث والتعاليم الإسلامية الأصيلة. يتناول هذا المقال الوعي بالذات، ضبط المشاعر، التغلب على العوائق والمقاومة الداخلية، وبناء شخصية متزنة وقوية من الداخل، مع الاستشهاد بآيات قرآنية كاملة تعزز المعنى وتربط التغيير النفسي بالإيمان والعمل الواعي.

صلاح عبد الدايم

opened book
opened book

يقدّم القرآن الكريم منهجًا نفسيًا متكاملًا لبناء الإنسان من الداخل، يقوم على فهم عميق لطبيعة النفس البشرية، وديناميكيات التفكير، والدوافع، والانفعالات، وآليات التغيير. وعند التأمل في الخطاب القرآني، يتضح أنه لا يكتفي بتقديم أوامر سلوكية، بل يؤسس لمنظومة معرفية وعقائدية تُعيد تشكيل طريقة التفكير نفسها، وهو ما يُعرف في علم النفس الحديث بإعادة البناء المعرفي (Cognitive Restructuring). فالقوة الحقيقية في المنهج القرآني لا تنبع من الضغط الخارجي، بل من ترسيخ الإيمان العميق (العقيدة الراسخة) الذي يعمل كمحرك داخلي دائم للسلوك والاتزان النفسي.

من المنظور النفسي، يُعد الاعتقاد الجازم أحد أقوى محددات السلوك الإنساني. فالفرد لا يتحرك بناءً على الواقع كما هو، بل بناءً على تفسيره الذهني لهذا الواقع. والقرآن يخاطب هذا المستوى تحديدًا، إذ يعيد توجيه إدراك الإنسان لنفسه، وللحياة، وللابتلاء، وللمصير. فحين يؤمن الإنسان بأن حياته ذات معنى، وأن أفعاله محسوبة، وأن جهده مرئي، يتغيّر مستوى تحمّله، وصبره، ودافعيته. قال الله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَٰكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (سورة المؤمنون، الآية 115). هذا التصحيح المعرفي لمعنى الوجود هو أساس القوة النفسية، لأنه يحرّر الإنسان من العبثية والضياع.

المنهج القرآني في علم النفس يبدأ بتشخيص النفس لا بإنكارها. فالقرآن يقدّم توصيفًا دقيقًا لمستويات النفس: النفس الأمّارة، والنفس اللوّامة، والنفس المطمئنة. هذا التقسيم ليس روحيًا فقط، بل نفسي بامتياز، لأنه يعكس مراحل تطور الوعي الذاتي وضبط الدوافع. النفس الأمّارة تمثل السلوك الاندفاعي القائم على الإشباع الفوري، وهو ما يدرسه علم النفس السلوكي. والنفس اللوّامة تمثل بداية الوعي الأخلاقي والمحاسبة الداخلية، بينما النفس المطمئنة تمثل أعلى درجات التنظيم النفسي والسلام الداخلي. قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلنَّفْسَ لَأَمَّارَةٌۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّىٓ﴾ (سورة يوسف، الآية 53)، وقال أيضًا: ﴿لَآ أُقْسِمُ بِيَوْمِ ٱلْقِيَٰمَةِ ۝ وَلَآ أُقْسِمُ بِٱلنَّفْسِ ٱللَّوَّامَةِ﴾ (سورة القيامة، الآيتان 1–2)، وقال سبحانه: ﴿يَٰٓأَيَّتُهَا ٱلنَّفْسُ ٱلْمُطْمَئِنَّةُ ۝ ٱرْجِعِىٓ إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةًۭ مَّرْضِيَّةًۭ﴾ (سورة الفجر، الآيتان 27–28).

أما العقيدة الراسخة، والتي قد يُساء فهمها على أنها “جمود فكري”، فهي في حقيقتها قوة نفسية هائلة عندما تُبنى على وعي وفهم. في علم النفس، يُعرف الإيمان العميق بأنه نظام اعتقادي ثابت (Core Belief System)، وهذا النظام هو الذي يحدد ردود الفعل تحت الضغط. الإنسان الذي يملك عقيدة واضحة لا ينهار بسهولة، لأن لديه مرجعية داخلية ثابتة. وقد أشار القرآن إلى هذا الثبات النفسي بقوله: ﴿يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ﴾ (سورة إبراهيم، الآية 27). الثبات هنا ليس فقط ثباتًا دينيًا، بل ثباتًا انفعاليًا وسلوكيًا أمام التقلبات.

ويعتمد القرآن في منهجه النفسي على مبدأ الربط بين الفكرة والنتيجة، وهو ما يُعرف في علم النفس بالتعلم المعرفيالسلوكي. فالإنسان يتعلم من خلال ربط أفعاله بعواقبها، لكن القرآن لا يختزل العواقب في المدى القصير، بل يوسّع الإطار الزمني ليشمل الآخرة، مما يعزّز ضبط النفس وتأجيل الإشباع، وهو أحد أهم مؤشرات النضج النفسي. قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلْـَٔاخِرَةِ نَزِدْ لَهُۥ فِى حَرْثِهِۦ ۖ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ ٱلدُّنْيَا نُؤْتِهِۦ مِنْهَا وَمَا لَهُۥ فِى ٱلْـَٔاخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾ (سورة الشورى، الآية 20).

كما أن المنهج القرآني يعالج الخوف والقلق، وهما من أكثر الاضطرابات النفسية شيوعًا، من خلال إعادة تعريف مصدر الأمان. فبدل أن يكون الأمان مرتبطًا بالسيطرة على الظروف، يربطه القرآن بالثقة بالله، وهو ما يحرر النفس من القلق المزمن. قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ (سورة الرعد، الآية 28). هذه الطمأنينة ليست هروبًا من الواقع، بل حالة تنظيم داخلي عميق تقلل من فرط الاستجابة للضغوط.

إن القوة الحقيقية للعقيدة في المنهج القرآني تكمن في أنها تحوّل الإنسان من كائن تفاعلي إلى كائن فاعل، ومن عبد للظروف إلى صاحب رسالة. وهذا التحول هو جوهر الصحة النفسية العميقة. فالعقيدة الواعية لا تلغي العقل، بل تنظّمه، ولا تقمع المشاعر، بل تهذّبها، ولا تنفي الألم، بل تمنحه معنى. وبهذا يقدّم القرآن نموذجًا نفسيًا متكاملًا لبناء إنسان قوي من الداخل، ثابت في القيم، مرن في السلوك، ومتوازن في مواجهة الحياة.

يستكمل المنهج القرآني في علم النفس بترجمة الإيمان والعقيدة إلى ممارسات عملية يومية تُعيد تشكيل الجهاز النفسي والسلوكي للإنسان. فالإسلام لا يكتفي ببناء القناعة الفكرية، بل يحوّلها إلى تدريب تطبيقي مستمر، وهو ما يتقاطع بوضوح مع المدارس النفسية الحديثة، خاصة المدرسة المعرفية السلوكية (Cognitive Behavioral Therapy)، وعلم النفس الإيجابي (Positive Psychology)، ونظريات التنظيم الذاتي (SelfRegulation). وفيما يلي مجموعة من التمارين النفسية العملية المستنبطة من التعاليم الإسلامية، مع ربطها بالمدارس النفسية المعاصرة.

من أهم التمارين النفسية في المنهج الإسلامي تمرين المحاسبة الذاتية اليومية، وهو تمرين يعادل في المدرسة المعرفية السلوكية مراجعة الأفكار والسلوكيات (Cognitive Monitoring). يقوم هذا التمرين على تخصيص وقت يومي لمراجعة اليوم: ما الفكرة التي سيطرت عليّ؟ ما السلوك الذي نتج عنها؟ هل كان متوافقًا مع قيمي؟ هذا التمرين يعزز الوعي بالأنماط التلقائية ويمنح العقل فرصة لإعادة التوجيه. وقد أسّس القرآن لهذا المبدأ بقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ ٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌۭ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍۢ ۖ وَٱتَّقُوا۟ ٱللَّهَ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرٌۢ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (سورة الحشر، الآية 18). هذا النظر الواعي إلى الذات هو أساس التغيير النفسي العميق.

التمرين الثاني هو إعادة بناء المعنى من خلال النية، وهو تمرين نفسي يرتبط بالمدرسة الوجودية (Existential Psychology) وعلاج المعنى (Logotherapy). فالنية في الإسلام ليست مجرد مفهوم ديني، بل أداة نفسية قوية لإعادة تأطير التجربة. عندما يربط الإنسان أفعاله اليومية بهدف أعلى، يقل الإحباط وتزداد القدرة على التحمل. من الناحية النفسية، هذا التمرين يخفف من الشعور بالفراغ ويعزز الإحساس بالقيمة الذاتية. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ ٱلْعَٰلَمِينَ﴾ (سورة الأنعام، الآية 162).

ومن التمارين المركزية أيضًا تدريب ضبط الانفعال عبر الصبر وكظم الغيظ، وهو ما يتوافق مع نظريات التنظيم الانفعالي (Emotion Regulation) في علم النفس الحديث. في هذا التمرين، يتعلم الفرد التوقف الواعي قبل الاستجابة، وتأجيل رد الفعل، وإعادة تفسير الموقف بدل الانفجار العاطفي. القرآن لا يطالب بقمع الغضب، بل بإدارته بوعي، قال تعالى: ﴿وَٱلْكَٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ ۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ (سورة آل عمران، الآية 134). هذا التمرين يرفع القدرة على التحكم الذاتي ويقلل من السلوك الاندفاعي، وهو هدف أساسي في العلاج السلوكي الجدلي (DBT).

كما يُعد الذكر الواعي تمرينًا نفسيًا عميق التأثير، ويتقاطع مع تقنيات اليقظة الذهنية (Mindfulness) المستخدمة في علم النفس المعاصر. فالذكر ليس ترديدًا آليًا، بل توجيه الانتباه إلى معنى محدد يعيد تنظيم الجهاز العصبي ويخفض التوتر. وقد أثبتت الدراسات النفسية أن التركيز المتكرر على عبارات ذات معنى إيجابي يهدّئ الاستجابات العصبية المرتبطة بالقلق. وقد عبّر القرآن عن هذا الأثر بوضوح بقوله: ﴿ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ ٱللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ ٱللَّهِ تَطْمَئِنُّ ٱلْقُلُوبُ﴾ (سورة الرعد، الآية 28).

ومن التمارين العملية المهمة كذلك تدريب الشكر والامتنان، وهو تمرين محوري في علم النفس الإيجابي. يقوم هذا التدريب على توجيه الانتباه اليومي إلى النعم بدل التركيز المفرط على النقص، مما يعيد برمجة الجهاز المعرفي نحو التفاؤل الواقعي. الإسلام يجعل الشكر ممارسة واعية لا مجرد شعور، قال الله تعالى: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِى لَشَدِيدٌۭ﴾ (سورة إبراهيم، الآية 7). هذا التمرين يعزز الرضا الداخلي ويقوّي المناعة النفسية ضد الاكتئاب.

وأخيرًا، يقدّم الإسلام تمرينًا نفسيًا بالغ العمق يتمثل في التوكل الواعي مع الأخذ بالأسباب، وهو ما يعادل في علم النفس مزيجًا بين الثقة الداخلية (SelfEfficacy) وتحرير القلق من النتائج. فالفرد يبذل جهده الكامل ثم يسلّم النتائج، مما يمنع الاحتراق النفسي والتعلق المرضي بالتحكم. قال الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُۥ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَٰلِغُ أَمْرِهِۦ ۚ قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍۢ قَدْرًا﴾ (سورة الطلاق، الآية 3).

يتضح من هذه التمارين أن المنهج النفسي في القرآن ليس وعظًا مجردًا، بل نظام تدريب متكامل يعالج الفكر، والمشاعر، والسلوك، ويعمل بانسجام مع أعمق ما توصلت إليه المدارس النفسية الحديثة. فالإسلام، من هذا المنظور، لا يبني فقط إنسانًا مؤمنًا، بل إنسانًا متزنًا نفسيًا، قويًا داخليًا، وقادرًا على إدارة ذاته والحياة بوعي ومعنى.

اشترك في نشرتنا الإخبارية"

Eاستمتع بعروض حصرية متاحة فقط للمشتركين لدينا."