لماذا يستمر الأشخاص الأذكياء في اتخاذ قرارات غير عقلانية
الذكاء لا يمنع القرارات السيئة، بل قد يجعل المبررات أكثر إقناعًا في بعض الأحيان. إليك سبب وقوع الأشخاص الأذكياء القادرين في التحيز المعرفي بقدر أي شخص آخر، بل وأحيانًا أكثر.
صديق لي، مستشار إداري يحمل شهادتين جامعيتين وسمعة كونه الأذكى في معظم الغرف التي يدخلها، أمضى أربع سنوات وهو يدافع عن شراكة تجارية كانت تستنزف مدخراته بصمت. في كل مرة يثير فيها أحدهم مخاوفه، كان لديه إجابة جاهزة: ظروف السوق، التوقيت، أساليب منافس غير نزيهة، عميل كبير كان 'على وشك' التوقيع. لم يكن يكذب. كان يصدق كل كلمة يقولها. هذا هو الجزء الذي يغفله الناس عندما يتحدثون عن القرارات السيئة: فمن يتخذها عادة ما يملك تفسيرًا متماسكًا وذكيًا لسبب اختلاف الأمر هذه المرة.
هذه ليست قصة عن رجل أحمق. إنها قصة عن كيفية عمل التفكير. التحيز المعرفي ليس خللًا يظهر فقط لدى من لا يقرأون بما يكفي أو لا يفكرون بعناية كافية. إنه جزء أصيل من الآلية الأساسية التي يعالج بها العقل المعلومات، والعقل الحاد لا يوقف هذه الآلية، بل يديرها بمهارة أكبر. وهذا يخلق فخًا محددًا: فكلما زادت قدرة الشخص على التفكير المنطقي، زادت قدرته على تبرير قرار كان يريد اتخاذه أصلًا، ثم الدفاع عنه لاحقًا وكأنه توصل إليه بمنطق سليم. الذكاء لا يمنع القرارات السيئة. في بعض الأحيان، هو فقط يجعل المبررات أفضل.
صورة: Dietmar Rabich / Wikimedia Commons (CC BY-SA 4.0)
التحيز التأكيدي
الميل إلى ملاحظة المعلومات التي تدعم ما تؤمن به بالفعل والبحث عنها وتذكرها، مع التقليل بصمت من شأن أي معلومة تخالفها. يبدو الأمر وكأنه دقة وتمحيص. لكنه في الحقيقة عكس ذلك تمامًا. تخيل شخصًا مقتنعًا بأن فكرة شركته الناشئة سليمة: يقرأ تعليقات العملاء المتحمسة بعناية، ويتصفح بسرعة تلك التي تتساءل لماذا قد يدفع أحد ثمنها أصلًا. كل إشارة إيجابية تُسجَّل كدليل. وكل إشارة سلبية تُصنَّف كحالة شاذة، أو جمهور خاطئ، أو تفصيلة يمكن إصلاحها. الشخص لا يتجاهل الأدلة عمدًا. انتباهه قرر مسبقًا ما الذي يُعتبر دليلًا قبل أن ينظر إليه أصلًا.
مغالطة التكلفة الغارقة
الاستمرار في إنفاق الوقت أو المال أو الجهد على أمر ما بسبب ما استُثمر فيه بالفعل، لا بسبب ما يُرجَّح أن يحققه هذا الاستثمار مستقبلًا. شخص يقضي ثلاث سنوات يعمل من أجل ترقية لا تتحقق أبدًا. مغادرة العمل الآن تعني الاعتراف بأن هذه السنوات الثلاث لم تجلب شيئًا، فيبقى لسنة رابعة، ثم خامسة، منتظرًا أن يبرر الاستثمار الماضي نفسه بنفسه. السنوات التي أُنفقت بالفعل ذهبت بغض النظر عما سيحدث بعد ذلك. السؤال الوحيد الذي ينبغي أن يهم هو ما إذا كان البقاء لا يزال أفضل استغلال للسنوات المقبلة، وهذا السؤال يُدفن تحت وطأة السنوات الماضية.
تحيز الثقة المفرطة
المبالغة في تقدير مدى دقة حكمك الشخصي، وهذا التحيز يزداد سوءًا لا تحسنًا مع الخبرة والنجاح السابق. مدير اتخذ قرارات موفقة طوال عقد من الزمن يبدأ بالثقة في حدسه أكثر من البيانات الماثلة أمامه، لأن حدسه كان محقًا من قبل. مستثمر تجنب الانهيار الاقتصادي الأخير يفترض أنه سيتنبأ بالتالي أيضًا. يتحول السجل الحافل إلى دليل على مهارة قد يكون التوقيت أو الحظ قد لعب فيها دورًا لا يقل عن دور الحكمة، وكل نجاح يجعل المجازفة الزائدة التالية تبدو أكثر تبريرًا لا أقل.
التحيز للحاضر (الرغبة في الإشباع الفوري)
ترجيح الراحة أو المكافأة الفورية بشكل أكبر بكثير من فائدة أكبر لكنها أبعد زمنيًا، حتى عندما تعلم أن الحساب لا يرجح الخيار قصير المدى. لهذا السبب يستمر تأجيل حديث صعب كان يمكن أن يصلح علاقة ما لأسبوع آخر من التجنب المريح. ولهذا السبب يؤجل شخص ما الادخار للمستقبل لصالح إنفاق يشعره بالرضا الآن، وهو يعلم تمامًا أن نسخته المستقبلية ستدفع الثمن. التكلفة المستقبلية حقيقية. إنها فقط مجردة، بينما إزعاج اللحظة الحاضرة ليس كذلك.
الاستدلال الدافعي
الانطلاق من النتيجة التي تريد أن تكون صحيحة، ثم العمل بشكل عكسي لبناء حجة تدعمها، بدلًا من الانطلاق من الأدلة ومتابعتها أينما تقود. من يريد أن يصدق أن شريكه في العمل جدير بالثقة سيفسر موعدًا نهائيًا فائتًا على أنه سوء حظ لا نمطًا متكررًا، لأن البديل، أي أنه أخطأ في تقدير شخص زكّاه، مكلف الاعتراف به. هذا هو التحيز الذي يجعل كل التحيزات الأخرى أكثر حدة لدى الأذكياء. العقل القادر يستطيع بناء حجة محكمة تقريبًا لأي استنتاج التزم به بالفعل، والحجة المحكمة تبدو من الداخل وكأنها دليل، لا استدلالًا دافعيًا.
لماذا لا يحميك الذكاء
أن تكون ذكيًا هو إلى حد كبير مهارة في بناء الحجج: جمع الأدلة، اكتشاف الأنماط، تشييد قضية متماسكة. لا شيء في هذه المهارة يتطلب أن تكون القضية صحيحة، بل فقط أن تكون مقنعة، والشخص الذي يجب إقناعه أولًا هو أنت نفسك. من يملك تعليمًا أوسع، ومفردات أكثر، وتجربة أطول في أن يكون على صواب في الماضي، يملك مادة خامًا أكبر لبناء سردية مقنعة حول قرار اتُخذ بالفعل عاطفيًا. لهذا السبب يكون أذكى شخص في الغرفة أحيانًا آخر من يعترف بأنه مخطئ. ليس فقط بسبب الكبرياء، رغم أن للكبرياء دورًا، بل لأنه، حرفيًا، أكثر قدرة على جعل الإجابة الخاطئة تبدو معقولة.
فخ التبرير
بمجرد اتخاذ قرار مكلف، خصوصًا إذا كان مرتبطًا بالهوية (المهنة التي اخترتها، الشريك الذي تزوجته، المشروع الذي أسسته)، يكون لدى العقل حافز قوي لحمايته. الاعتراف بأن القرار كان خاطئًا يعني الاعتراف بشيء مزعج بشأن حكمك الشخصي. لذا بدلًا من إعادة فحص القرار، يشرع العقل في الدفاع عنه، ويجند كل مورد متاح لذلك: الذاكرة، والمنطق، والأدلة المنتقاة بعناية. هنا يتحول الذكاء إلى عبء بدلًا من أن يكون حماية. التبرير المتقن لا يبدو من الداخل وكأنه آلية دفاع. يبدو وكأنه تفكير منطقي. وكلما كنت أبرع في التفكير المنطقي، صعُب عليك التمييز بين الاثنين.
إذا كنت لا تتذكر آخر مرة تغيّر فيها أحد قراراتك بسبب معلومات جديدة، فهذا ليس بالضرورة دليلًا على أنك كنت محقًا طوال الوقت. قد يكون دليلًا على أنك توقفت عن التحقق.
ما الذي يساعد فعليًا
المزيد من التفكير ليس الحل، لأن التحيز يسكن داخل التفكير نفسه. ما يميل إلى النجاح هو خلق احتكاك قبل اتخاذ القرار، لا بعده: تحديد مسبقًا الأدلة التي من شأنها أن تغير رأيك، وتدوينها قبل أن تصبح مستثمرًا عاطفيًا في النتيجة. يساعد أيضًا الفصل بين القرارات التي يمكن التراجع عنها بتكلفة منخفضة وتلك التي لا يمكن، ومحاسبة النوع الثاني بمعيار أعلى بكثير. لكن أوثق فحص هو الفحص الخارجي: شخص لا مصلحة له في أن تكون على صواب، يستطيع أن ينظر إلى القصة التي بنيتها ويطرح السؤال الذي توقفت عن طرحه على نفسك. تنظيم ذلك بنفسك أصعب مما يبدو، وهذا جزء كبير من سبب أن المنظور الخارجي، سواء من مدرب أو موجّه أو حتى صديق صريح، غالبًا ما يلتقط ما يفوت التأمل الذاتي وحده.
أسئلة شائعة
لماذا يتخذ الأشخاص الأذكياء قرارات سيئة؟
الذكاء يساعد في بناء الحجج وتقييمها، لكنه لا يأتي مصحوبًا بفحص تلقائي لصحة الافتراض الأساسي. غالبًا ما يكون الأشخاص الأذكياء أكثر براعة في بناء أسباب مقنعة لقرار ما بعد اتخاذه، وهو ما يجعل اكتشاف التحيز الكامن وراءه أصعب، لا أسهل.
هل يرتبط التحيز المعرفي بالذكاء أو معدل الذكاء؟
معظم التحيزات المعرفية لا تقل بشكل كبير مع ارتفاع الذكاء أو التعليم. بعض التحيزات، خصوصًا تلك المرتبطة بتبرير الذات، تظهر بالقدر نفسه لدى من يملكون قدرة تحليلية أعلى، بل ويُدافَع عنها بمهارة أكبر عند ظهورها.
ما هو الاستدلال الدافعي، وكيف يختلف عن التحيز التأكيدي؟
التحيز التأكيدي يتعلق بكيفية جمع الأدلة وترجيحها بعد أن تكون قد مِلت بالفعل إلى وجهة نظر معينة. أما الاستدلال الدافعي فيذهب خطوة أبعد: تنطلق من نتيجة تريد أن تكون صحيحة، غالبًا لأسباب عاطفية، وتبني حجة تدعمها، بحيث تصبح النتيجة المرغوبة نقطة البداية لا الوجهة.
كيف أتوقف عن تبرير قرار سيئ؟
بشكل عام لا يمكنك ملاحظة ذلك من الداخل في اللحظة نفسها، لأن التبرير الجيد لا يبدو كتبرير. ما يساعد هو تحديد معاييرك قبل أن تصبح مستثمرًا في القرار (ما الذي يجب أن يكون صحيحًا حتى ينجح هذا الأمر)، والحصول بانتظام على منظور خارجي من شخص لا يرتبط عاطفيًا بأن يكون اختيارك صائبًا.
هل يمكن للتدريب أو العلاج النفسي أن يساعدا في التعامل مع التحيز المعرفي واتخاذ القرار؟
نعم، خصوصًا لأن كلاهما يقدم شيئًا يصعب أن تمنحه لنفسك: منظورًا لا مصلحة شخصية له في تأكيد صحة قرارك. المدرب الجيد ليس موجودًا ليوافق على قصتك، بل ليطرح الأسئلة التي توقفت أنت عن طرحها بشأنها.
هل أنت مستعد للنظر إلى قراراتك من خارج عقلك؟
إذا كنت تصل دائمًا إلى النتيجة نفسها بغض النظر عما يتغير من حولك، فهذا النمط يستحق أن يُبحث مع شخص لا مصلحة له في أن تكون على صواب. جلسة تدريب يمكن أن تساعدك على رؤية أين تحول التفكير المنطقي بصمت إلى تبرير.
احجز جلسة
علم النفس والسلوك البشري
كيف توجّه المشاعر والعادات والمخاوف والعلاقات سلوكنا، وكثيرًا بطريقة لا نتوقعها من أنفسنا.
لماذا تنفعل فجأة بشدة من أمر صغير؟ ولماذا تختفي الدافعية في اللحظة التي تحتاج إليها فيها؟ ولماذا يتخذ أشخاص أذكياء قرارات غير عقلانية؟ تشرح مقالات هذا القسم مثل هذه الأنماط بالاستناد إلى علم النفس، وتحوّلها إلى ملاحظات تتعرف عليها في حياتك اليومية.
هذا أكبر أقسام المدوّنة. وإذا لم تعرف من أين تبدأ، فاختر المقال الذي يشدّك عنوانه أكثر من غيره.
Salah Abdeldayem
كيف تبني ثقة حقيقية بنفسك: دليل عملي بعيدًا عن النصائح السطحية
الثقة الحقيقية لا تأتي من ترديد عبارات إيجابية. تأتي من سجل أفعال صغيرة أثبتت أنك قادر على التصرف رغم الخوف.
لماذا تؤجّل ما تعرف أنك يجب أن تفعله: دليل عملي للانضباط دون انتظار الدافعية
التسويف نادرًا ما يكون كسلًا. الحل ليس انتظار دافعية أقوى، بل بناء نظام يقلّص حجم الخطوة الأولى.
ثقل متابعة الأخبار: إدارة قلق لا تستطيع إصلاحه
لا تستطيع أن تُصلح الأخبار. ما تستطيعه أن تقرر ماذا يحدث بين متابعتها وعيش يومك.